الشيخ محمد النهاوندي

34

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فمات هناك طريدا وحيدا . وقيل : نزلت في منافقي أهل الكتاب ، كانوا يعرفون النبيّ صلّى اللّه عليه وآله . وقيل : هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه « 1 » . أقول : الحقّ أن الآية نزلت في بلعم ، وجرت على كلّ عالم متّبع للهوى ، معرض عن الهدى . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 176 إلى 177 ] وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) ثمّ أنّه تعالى بعد بيان انسلاخ بلعم من الآيات وانسلاكه في الرّاسخين في الضّلال ، بيّن أنّ تلك الآيات كانت مقتضية لرفع مقامه ، إلّا أنّ حبّه الدّنيا واتباعه الهوى أهواه في أسفل الدّركات بقوله : وَلَوْ شِئْنا رفعة مقامه إلى محلّ القرب ، وإيصاله إلى جميع السّعادات الدّنيويّة والاخرويّة ببركة تلك الآيات لَرَفَعْناهُ بِها إليه ، وأوصلناه إلى أعلى درجة السّعادة والكرامة وَلكِنَّهُ لخبث ذاته وبسوء اختياره أَخْلَدَ ومال إِلَى الْأَرْضِ والدّنيا الدنيّة واطمأنّ بها وَاتَّبَعَ هَواهُ ووافق شهوته في إيثار الحطام والزّخارف الفانية ، واسترضاء قومه ، فانحطّ غاية الإنحطاط ، وهوى في أسفل الدّركات . فَمَثَلُهُ وحاله العجب في حرصه على الدنيا ، وهلعه إلى حطامها ، وعدم اتّعاظه بالموعظة ، وعدم اهتدائه ، إن ترك كَمَثَلِ الْكَلْبِ في أسوء أحواله وأخسّ صفاته ، وهو أنّه إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ أيّها المخاطب بالزّجر والطّرد يَلْهَثْ ويخرج لسانه ويتنفّس بشدّة أَوْ تَتْرُكْهُ ولا تتعرّض له يَلْهَثْ أيضا ، فكما أنّه دائم اللّهث ، كذلك هذا العالم المتّبع لهواه لا يتغيّر حاله إن وعظ أو ترك ذلِكَ المثل السيء مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ علموا بصفات محمّد صلّى اللّه عليه وآله المذكورة في التّوراة وببشارة موسى عليه السّلام بظهوره وبعثته ، فحرّفوها وغيّروا اسمه و كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة في الكتب السماويّة فَاقْصُصِ يا محمّد وأتل عليهم تلك الْقَصَصَ والأمثال لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيها ويتّعظون ويحذرون سوء عاقبة أعمالهم السيئة ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا المنزلة في الكتب السماويّة من التّوراة والإنجيل والقرآن ، وساء الوصف الذي اتّصفوا به من إنكارها ومن جحود الآيات ، وتكذيب الرّسول مع قيام الحجّة عليهم ، وما ظلمونا بسوء أعمالهم وَ لكن أَنْفُسَهُمْ

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 15 : 54 .